ابن خلكان
430
وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان
وكان عمرو أعور فلم يفعل صافي الحرمي ذلك ، وهو الذي أمره المعتضد بقتله ، وإنما امتنع من قتله لعلمه بحال المعتضد وقرب وفاته ، وكره قتل عمرو . ولما دخل المكتفي بغداد سأل ، فيما قيل ، القاسم بن عبيد اللّه عن عمرو : أحيّ هو ؟ فقال : نعم ، فسر بحياته وقال : أريد أن أحسن إليه . وكان عمرو يهدي إلى المكتفي ويبرّه برا كثيرا أيام مقامه بالري في حياة أبيه المعتضد ، فذكر أن القاسم كره سؤاله عنه ، ودس إليه من قتله . وكانت مدة مملكته اثنتين وعشرين سنة تقريبا . قلت : وإنما قيل ليعقوب : الصفار ، لأنه كان يعمل الصفر ، وهو النحاس وهو بضم الصاد المهملة وسكون الفاء وبعدها راء . وكان أخوه عمرو يكري الحمير . حكى شيخ من الصفارين قال : كان يعقوب وهو غلام في دكانه يتعلم عمل الصفر ، ولم أزل أتأمل بين عينيه وهو صغير ما آل أمره إليه ، قيل له : وكيف ذلك ؟ قال : ما تأملته قط من حيث لا يعلم بتأملي إياه إلا وجدته مطرقا إطراق ذي همة وفكر وروية ، فكان من أمره ما كان . وقال علي بن المرزبان الأصفهاني الكاتب : سألت بعض أصحاب بني الصفار عن عمرو بن الليث أخي يعقوب بن الليث الصفار وصناعته ، وعمر يومئذ محبوس بمدينة السلام ، فسكت عني ، فلما توفي عمرو قال لي : كنت سألتني عن عمرو وصناعته ، ولم يكن من الحزم إخبارك وهو يرجى ويخشى ، فاعلم الآن أنه لم يزل مكاريا إلى أن عظم شأن أخيه يعقوب وتمكن من خراسان ، فلحق به وترك إكراء الحمير . قلت : ذكر جماعة من أرباب التواريخ في كتبهم أن أبا أحمد عبيد اللّه ابن عبد اللّه بن طاهر « 1 » بن الحسين الخزاعي - المقدم ذكره في هذا الكتاب - كان يقول : عجائب الدنيا ثلاث : جيش العباس بن عمرو الغنوي يؤسر العباس وحده وينجو من القتل ثم يطلق ويقتل جميع جيشه ، وكانوا عشرة آلاف . وجيش عمرو بن الليث يؤسر عمرو وحده ويموت في السجن ويسلم جميع جيشه وكانوا
--> ( 1 ) ع : أبا أحمد عبد اللّه بن طاهر ؛ ق : عبيد اللّه بن طاهر .